تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٦٠ - فصل كيف يمكن رفع الجبل؟
فصل [كيف يمكن رفع الجبل؟]
من المتفلسفة من أنكر إمكان وقوف مثل الجبل و نحوه من الأثقال في الهواء من غير دعامة و لا عماد. و أمّا مثل الصواعق و ذوات الأذناب و غيرها ممّا فيه حرارة مصعدة، أو أدخنة غليظة بقوّة حرارتها تقاوم الهابط من الجوّ، فيمكن وقوفها زمانا في الهواء. و كذا الأرض معلّقة فيما بين الهواء لأنها متدافعة من جميع الجوانب لتكافؤ ثقل أطرافها، فوقفت بطبعها عند المركز. بخلاف وقوف الجبل في الهواء إذ لا سبب له.
و الجواب من وجهين: أحدهما انّ أسباب وقوف الثقيل في الهواء ليست منحصرة فيما ذكرتم من الدعامة أو الحرارة المصعدة أو تدافع الجوانب- أو ما يجري مجراهما- فإنّ هاهنا أسبابا إلهيّة سماويّة أو نفسانيّة مقتضية لمثل هذه الأفاعيل الغريبة، فإنّ للنفس أن تصعّد الجسم الثقيل بمجرد الهمّة و العزم.
و من هذا القبيل وقوف الطير في جوّ السماء. كقوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَ يَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ [٦٧/ ١٩] و من هذا الباب صعود الحيوان إلى فوق بقوّة نفسانيّة- لا بد عامة جسمانيّة- و منه قلع باب خيبر و رفعه،
فإنّه عليه السّلام قال [١]: «قلعته بقوّة ملكوتيّة، لا بقوّة جسمانيّة»
فإنّ نسبة النفوس القويّة العالية إلى غير بدنها من أجسام هذا العالم كنسبة سائر النفوس الضعيفة إلى بدنها، فلا جرم أثرت همّة نفس موسى عليه السّلام بقوّة استفادها من اللّه في رفع الجبل فوق قومه.
[١]
في البحار (٢١/ ٢٦) عن أمالي الصدوق: انّ أمير المؤمنين قال في رسالته إلى سهل بن حنيف رحمه اللّه: «و اللّه ما قلعت باب خيبر و رميت به خلف ظهري أربعين ذراعا بقوة جسدية و لا حركة غذائية، لكنى أيدت بقوة ملكوتية و نفس بنور ربها مضيئة ...».